
في الخلفية صوت موسيقا سيئة، لا تشبه الفرح أو الحزن، يرافقها قرع متكرر على باب حارس العمارة المجاورة. داخل المشهد كانت تبكي بحرقة، هي لا تتذكر متى بدأت البكاء، لأنه الشيء الوحيد الذي فعلته اليوم. ولا تتذكر تحديداً ما إن كانت الموسيقا مرافقة لانهيارها الأخير، أم شُغلت لتغطية صوتها الذي ملأ الآفاق؟
ما تتذكره الآن أنها توقفت عن البكاء حين انتبهت للموسيقا وقرع الباب وقالت: يا لها من موسيقا سيئة.
ثم توقفت عن البكاء.
لا تتذكر النغمة تحديداً لكنها بسببها أدركت ضآلة حياتها، وأن الخارج مليء بهموم تعرفها ولا تعرفها، وأنها في هذا العالم ليست البائسة الوحيدة. بهذه الفكرة خرجت من قوقعتها، ومسحت دموعها، وأدارت حنفية المروش تأكدت من حرارة الماء، وضعت السدادة، وغادرت الحمام تملؤها أفكار شتى عن ليلة نارية تشبه شطحات المرحلة الثانوية.
فطيرة وشيبس حار وعصير غازي وشوكولاطة، وأنمي لا معنى له لكن فكرته الرخيصة كانت تعجبها قديماً.
تتسلل بجسدها المثقل من البكاء إلى حوض الاستحمام، تغطس فتتسرب الهموم منها، وبعد رغبة جارفة بالموت شعرت فجأة بأن الحياة تستحق أن تُعاش.
تخرج من الحمام، تصلي ثم تحقق أحلام الصياعة.. تأكل وتتفرج.
وقبل ال12 تأوي إلى الفراش. فبحسبة سريعة سيوقظها صغيرها مع نسمات الفجر الأولى وإن تأخرت في النوم لن تستيقظ رائقة المزاج.
تستلقي إلى جوار الصغير الذي احتل السرير، تلمس ظهره.. تتجاهل الإشارة الأولى. لكن جهاز الحرارة كان أصدق من اللازم.. حرارته مرتفعة.
ما يزال طعم الشوكولاطة في فمها، ومشهد القبلة الأخيرة في ذهنها، لكن الآن عليها أن تنسى كل ذلك. وتشتم رائحة الدواء، وتتبلل بالماء وهي تعتصر الكمادات، وتشاهد مع طفلها مقطعاً لرجل يتزحلق من برج شاهق.
لكنها على الأقل استطاعت القيام بكل ذلك دون أن تبكي.
واستطاعت أن تنظر إلى الجانب المشرق..فبسبب حفلة الكمادات، لن يستيقظ طفلها باكراً. هاقد كسبت ساعتين إضافيتين من النوم.